محمد بن علي الشوكاني
5688
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وكذلك ما يأكلونه من الأطعمة ، ومثل هذا [ 5 ] لا يقال له بدعة قبيحة ، ولا يندرج تحت مسمى الابتداع في الدين ( 1 ) ، ولا يدخل تحت قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وكل بدعة ضلالة " ( 2 ) .
--> ( 1 ) البدعة : قد اختلف العلماء في تحديد معناها شرعا . فمنهم : من جعلها في مقابل السنة . ومنهم : من جعلها عامة تشمل كل ما أحدث بعد عصر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سواء كان محمودا أو مذموما ولعل أفضلها وأجمعها : " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بها التقرب إلى الله تعالى ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح أصلا أو وصفا " . " الاعتصام " للشاطبي . قوله بقصد التقرب إلى الله خرجت البدع الدنيوية : كتصنيف الكتب في علم النحو ، وأصول الفقه ومفردات اللغة ، وسائر العلوم الخادمة للشريعة كالسيارات ، والأسلحة والآلات الزراعية والصناعية . فكلها وسائل مشروعة ، لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنص . وهي التي تقبل التقسيم إلى الأحكام الخمسة . 1 - واجبة 2 - ومندوبة 3 - مباحة 4 - مكروهة 5 - محرمة والبدعة الدينية لا تنقسم إلى الأحكام الخمسة للأدلة الواضحة : 1 - ) : قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] . هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة ، حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره . ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء ، وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله الله . ولا حرام إلا ما حرمه الله ، ولا دين إلا ما شرعه ، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف ، كما قال تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الإخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي ، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة ، ولهذا قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } . انظر " عمدة التفسير " ( 4 / 75 ) . ( 2 ) الحديث المتقدم : " كل بدعة ضلالة " . قال ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " ( ص 274 ) : ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله الكلية ، وهي قوله : " كل بدعة ضلالة " بسلب عمومها . وهو أن يقال : ليست كل بدعة ضلالة . فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل . قال ابن رجب الحنبلي في " جامع العلوم والحكم " ( ص 252 ) : قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل بدعة ضلالة " من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد " فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلاله والدين بريء منه ، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة . وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية . . "